أحمد بن يحيى بن جابر ( البلاذري )

153

أنساب الأشراف ( ط بيروت الأعلمي )

وكتب معاوية إلى الحسين : أمّا بعد فقد أنهيت إليّ عنك أمور إن كانت حقّا فإني لم أكن أظنها بك رغبة عنها ، وإن كانت باطلا فأنت أسعد الناس بمجانبتها ، وبحظ نفسك تبدأ ، وبعهد اللّه توفي فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك ، فإني متى أنكرك تنكرني ومتى تكدني أكدك فاتق اللّه يا حسين في شقّ عصا الأمّة ، وأن تردّهم في فتنة ! ! ! فكتب إليه الحسين كتابا غليظا يعدّد عليه فيه ما فعل في أمر زياد ، وفي قتل حجر ، ويقول له : إنك قد فتنت بكيد الصالحين مذ خلقت ؟ ! فكدني ما بدا لك ! ! ! وكان آخر الكتاب : والسلام على من اتبع الهدى [ 1 ] .

--> [ 1 ] أقول : وهذا الكتاب قد ذكره جماعة من الأعلام فروى قطعة منه في المحبر الكبير ص 479 . وقطعة أخرى منه ذكرها في دعائم الإسلام ج 2 ص 131 ط 1 ، وذكره أيضا في الأخبار الطوال ص 224 ، والإمامة والسياسة ص 131 ، والاحتجاج : ج 2 ص 20 ط النجف ، وترجمة الإمام الحسين عليه السلام من عوالم العلوم ص 100 ، وذكره الكني - رحمه اللّه - في ترجمة عمرو بن الحمق من رجاله ص 48 ط النجف بالتفصيل ، وذكره أيضا ابن سعد في ترجمة الإمام الحسين عليه السلام من الطبقات الكبرى كما في الحديث : ( 254 ) من ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق : ج 13 ، ص 68 وذكره المصنف تفصيلا في الحديث : ( 303 ) من ترجمة معاوية من أنساب الأشراف : ج 2 / الورق 73 ب / أو ص 744 ، وبالتأمل فيه وما ذكره المصنف هاهنا يعلم أن ما هاهنا مروي بطريق مستقل وبسند مغاير لما رواه في ترجمة معاوية ، وحيث أن جل المصادر المتقدمة مطبوع ، وبعضها لم يذكر فيه مؤلفه تمام الكتاب بل ذكر منه ما يمس حاجته أو ما لم يناقض منه مذهبه أو غرضه فنحن نذكره برواية المصنف في ترجمة معاوية إنقاذا له من التلف ، وإيفاء للفائدة وتعدد الهدف فنقول : قال البلاذري في الحديث : ( 303 ) من ترجمة معاوية من أنساب الأشراف ج 2 ص 744 : قالوا : وكتب معاوية إلى الحسين بن علي رضي اللّه تعالى عنهم ! ! ! : أما بعد فقد انتهت إلى أمور أرغب بك عنها ، فإن كانت حقا لم أقارك عليها - ولعمري إن من أعطى صفقة يمينه وعهد اللّه وميثاقه لحري بالوفاء - وإن كانت باطلا فأنت أسعد الناس بذلك وبحظ نفسك تبدأ ، وبعهد اللّه توفي فلا تحملني على قطيعتك والإساءة بك ، فإني متى أنكرك تنكرني ومتى تكدني أكدك فاتق شق عصا هذه الأمة ، وأن ترجعوا على يدك إلى الفتنة ! ! ! وقد جربت الناس وبلوتهم ، وأبوك كان أفضل منك ، وقد كان اجتمع عليه رأي الذين يلوذون بك ، ولا أظنه يصلح لك منهم ما كان فسد عليه ( ظ ) فانظر لنفسك ودينك ولا يستخفنك الذين لا يوقنون . فكتب إليه الحسين : أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أنه بلغك عني أمور ترغب ( بي ) عنها فإن كانت حقا لم تقارني عليها . ولن يهدي إلى الحسنات و ( لا ) يسدد لها إلا اللّه ، فأما ما نمي إليك ، فإنما رقاه الملاقون المشاءون بالنمائم المفرقون بين الجميع ، وما أريد حربا لك ولا خلافا عليك ، وأيم اللّه لقد تركت ذلك وأنا أخاف اللّه في تركه ! ! ! وما أظن اللّه راضيا مني بترك محاكمتك إليه ، ولا عاذري دون الاعتذار إليه فيك وفي أوليائك القاسطين الملحدين ، حزب الظالمين وأولياء الشياطين ! ! ! ألست قاتل حجر بن عدي وأصحابه المصلين العابدين ؟ - الذين ( كانوا ) ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ولا يخافون في اللّه لومة لائم - ظلما وعدوانا بعد إعطائهم الأمان بالمواثيق والأيمان المغلظة ! ! ! أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي أبلته العبادة وصفرت لونه وانحلت جسمه ؟ ! أو لست المدعي زياد ابن سمية المولود على فراش عبيد عبد ثقيف ؟ وزعمت أنه ( ابن ) أبيك ! ! ! وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر . فتركت سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخالفت أمره متعمدا واتبعت هواك مكذبا بغير هدى من اللّه ، ثم سلطته على العراقين فقطع أيدي المسلمين وسمل أعينهم وصلبهم على جذوع النخل ! ! ! كأنك لست من الأمة ؟ وكأنها ليست منك ؟ وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من ألحق بقوم نسبا ليس لهم فهو ملعون . أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب إليك ابن سمية أنهم على دين علي . فكتبت إليه اقتل من كان على دين علي ورأيه . فقتلهم ومثل بهم بأمرك ! ! ! ودين علي دين محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي كان يضرب عليه أباك ، والذي انتحالك إياه أجلسك مجلسك هذا ، ولولا همو ( كذا ) كان أفضل شرفك تجشم الرحلتين في طلب الخمور ! ! ! وقلت : انظر لنفسك ودينك والأمة واتق شق عصا الألفة ( كذا ) وان ترد الناس إلى الفتنة . فلا أعلم نظرا لنفسي وديني أفضل من جهادك ! ! ! فإن أفعله فهو قربة إلى ربي وان أتركه فذنب استغفر اللّه منه في كثير من تقصيري وأسأل اللّه توفيقي لأرشد أموري . وأما كيدك إياي فليس يكون على أحد أضر منه عليك ، كفعلك بهؤلاء النفر الذين قتلتهم ومثلت بهم بعد الصلح من غير أن يكونوا قاتلوك ولا نقضوا عهدك ، إلا مخافة أمر لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوه ، أو ماتوا قبل أن يدركوه ، فأبشر يا معاوية بالقصاص ، وأيقن بالحساب ، واعلم أن للّه كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . وليس اللّه بناس لك أخذك بالظنة ، وقتلك أولياءه على الشبهة والتهمة ، وأخذك الناس بالبيعة لابنك غلام سفيه يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ، ولا أعلمك إلا قد خسرت نفسك وأوبقت ( ظ ) دينك وأكلت ( كذا ) أمانتك وغششت رعيتك ، وتبوأت مقعدك من النار ! ! ! فبعدا للقوم الظالمين .